الدرس الثالث: أهمّيّة علم الكلام ومرتبته بين العلوم
| |||||||||||||||
أهداف الدرس
على الطالب مع نهاية هذا الدرس أن: 1- يبيّن أهميّة علم الكلام. 2- يشرح الوظيفتين البنائية والدفاعية لعلم الكلام. 3- يتبيَّن شرف علم الكلام ومرتبته بين العلوم.
أهميّة علم الكلام
تذكر عادةً في بداية كلّ علمٍ فائدته، لتعرف أهميّة هذا العلم، فلا يغدو البحث فيه ترفاً فكرياً، ولا عبثاً جزافيّاً، ولتزداد الرغبة في تحصيله لكلّ طالبٍ لتلك الفوائد المرجوّة من ذلك العلم. وقد ذُكرت لعلم الكلام عدّة فوائد، يمكن إرجاعها في الجملة إلى فائدتين أساسيّتين: 1- البنائيّة: إنّ الاطلاع على علم الكلام، والتعرّف إلى أدلّته، تعطي الإنسان - لا سيما- المسلم فهماً إيمانيّاً عميقاً، وترتقي بمعتقداته - من أن تكون بسيطةً ساذجةً، أو يتخلّلها بعض الشبهات الطارئة - إلى مستوى الفكر والوعي والإدراك الصحيح، ليصبح ملمّاً بالأدلّة القويّة، والحجج البالغة حول إثبات الصانع والتوحيد وصفات الله والنبوّة والإمامة والعدل والمعاد وسائر المسائل الاعتقاديّة. وبالخصوص علم معرفة الله المثيب والمجازي لعباده على فعل الخيرات وارتكاب السيّئات "وكيفيّة آثاره وأفعاله وتكاليفه على الإجمال. وذلك هو سبب السعادة الأبديّة، والخلاص من الشقاء الأبديّ، ولا غاية أهمّ من هذه الغاية"1.
2- الدفاعيّة:
لعلّ الدفاع عن العقيدة هي الفائدة الأساس المرجوّة من هذا العلم، ولأجلها دوّن علم الكلام، واتسعت مطالبه وما زالت كذلك حتّى عصرنا الحاضر. فنصرة العقيدة، والدفاع عن الدين الإسلاميّ الحنيف، والحفاظ على إيمان ومعتقدات المسلمين، والذود عنها بردّ الشبهات، ورفع الإشكالات، ودفع الاعتراضات، تعتبر من أهم الفوائد والآثار الطبية لعلم الكلام. فلا يخلو عصرٌ من وجود أشخاصٍ يلقي الشيطان في أفئدتهم، وينفث على ألسنتهم، فيوجّهون الشبهات العويصة حول الدين. ولا تكون هذه الشبهات إلّا فتنةً للذين في قلوبهم مرضٌ، وللقاسية قلوبهم. وأمّا الذين آمنوا فيعلمون الحقّ ويدافعون عنه بردّ هذه الشبهات ونسخ هذه الاعتراضات، حتّى تستحكم آيات الله وحججه. وقد كان علم الكلام أهمّ وأبرز العلوم الإسلاميّة التي أخذت على عاتقها ومسؤوليّتها الدفاع عن الدين، وردّ الشبهات عنه. 3- فوائد أخرى: يمكن أن تتحقّق من دراسة علم الكلام فوائد أخرى، غير هاتين الفائدتين، وقد ذُكر منها: أ- مسألة تصحيح النيّة: فمن خلال اطلاع المسلم على علم الكلام يستطيع تصحيح نيّته واعتقاده, إذ بالنيّة يُرجى قبول الأعمال، وبها ينال الفوز في الدارين، وقد ذُكرت مسألة تصحيح النيّة كفائدةٍ مستقلّةٍ لهذا العلم أيضاً. ب- مسألة تفرّع العلوم الشرعيّة على هذا العلم: وقد اعتبرت فائدة مستقلّة لعلم الكلام، ولما مرّ الكلام أنّ المفاهيم والأحكام والأخلاق تعدّ الفقه الأصغر، ولا يمكن التعويل عليها لولا تأسيس القواعد، والبناء على الفقه الأكبر وهو علم الكلام.
ج- مسألةُ بناء قواعد الدين كفائدةٍ مستقلّةٍ: وهي في الحقيقة متفرّعةٌ على الفائدة الأولى, حيث إنّه من خلال الدفاع عن الدين، وردّ الشبهات، تتبلور القواعد الأساس لهذا الدين، وتتجلّى أسسه وأصوله، التي عليها يبنى، ومن خلالها يتمّ الدفاع، وبها تتمّ الحجّة.
د- مسألة إرشاد المسترشدين: فإنّه بهذا العلم تظهر لهم الحجّة، وتلزم المعاند وتفحمه، وتردّ الشبه، وبذلك يسترشد طالب الهداية، ولا يبقى له عذرٌ أمام الله بأنّه لم يظهر له الحقّ، أو أنّه لم يطّلع على ما يفيده العلم واليقين في المعتقد2. شرف علم الكلام من خلال الاطلاع على أهميّة هذا العلم، والفائدة المرجوّة منه، وأهمّ المسائل التي يتعرّض لها بالإثبات بالأدلّة القاطعة، أو بالدفاع عنها بالحجج البالغة، يظهر شرف هذا العلم، وعلوّ شأنه. وقد ذُكرت عدّة وجوهٍ في شرف هذا العلم نذكر منها: 1ـ شرف العلم تابع لشرف المعلوم: أي شرف المسائل التي يتعرّض لها بالبحث والتنقيب. وقد تقدّم أنّ الغرض الأهم والأساس في هذا العلم هو معرفة العقيدة. وأوّل العقائد معرفة الله سبحانه وتعالى، وصفاته وكيفيّة أفعاله وتأثيراته، ومن ثمّ البحث عن رسله وأوصيائهم، وأحوال النفس والمعاد. وهذه أشرف المطالب فواجب الوجود أشرف الموجودات، فالعلم به أشرف العلوم. 2ـ براهين العلم أوثق البراهين: "إنّ مقدمات العلوم قد تكون قطعيّةً، وقد تكون ظنيّةً، ويحصل بالأوّل اليقين،
وبالثاني الظنّ، والأوّل أشرف. ومقدّمات هذا الفنّ قطعيّةٌ يقينيّة، إمّا بديهيّة أو كسبيّة راجعةٌ إليها، فتكون براهينه أوثق من غيره، فيكون أشرف"3.
3ـ التعرّف إلى مطالب السعادة: إنّ الإنسان خُلق لا كغيره من الحيوانات، حيث إنّه جُعل محلاً لخطاب الله جلّ وعلا، وتكليفه بالأوامر والنواهي، وما ذلك إلّا لينال السعادة الأخرويّة والفوز والرضوان، "وهذه أعظم الأمور وأجلّ المطالب، ولا تحصل هذه إلّا من خلال الإيمان بالله تعالى ورسله وأوصيائهم، والإيمان باليوم الآخر، والتعرّف على هذه الأمور لا يكون إلّا عبر هذا العلم، فهو إذاً أشرف العلوم"4. 4ـ احتياج العلوم الدينيّة لهذا العلم: فإنّ العلوم الدينيّة كلّها متفرّعةٌ على هذا العلم، ولا يمكن البناء عليها لو لم يثبت بدواً الصانع، وقدرته وعلمه، ليصحّ بالتالي التكليف، ويتيسّر للفقيه والمحدّث والمفسّر للكتاب العزيز وغيرهم من أصحاب العلوم الإسلاميّة الخوض في مجالات علومهم. فبقية العلوم إذاً تحتاج إلى هذا العلم، بينما هو لا يحتاج إلى شيءٍ منها، فهو أشرف منها. 5ـ بقاء أثره بعد الموت: إنّ المعتقد لازم للإنسان، لا يفارقه "ويبقى مع النفس بعد الموت، ويبقى أثره في الآخرة، بل يقوى ويكمل، ويصير يوم القيامة ضروريّاً، فكان أشرف العلوم وأفضلها"5.
وقد ذكر جلّ هذه الأسباب صاحب المواقف بعبارةٍ مختصرةٍ ووافية6. كما وذكرها العلّامة الحلّي في نهاية المرام7.
مرتبته بين العلوم بعد أن تبيّنت فائدة هذا العلم، وشرفه، وموضوعه، أصبحت منزلة هذا العلم بين العلوم واضحة جدّاً، وأنّه لا بدّ أن يكون مقدّماً على سائر العلوم، وسابقاً عليها. وقد ذكر العلّامة الحلّي منزلته بما نصّه: "إنّ مبادئ سائر العلوم إنّما تتبيّن فيه. ومعرفة ذي المبدأ متوقّفةٌ على معرفة المبدأ. فلهذا العلم تقدّم بهذا الاعتبار على غيره من سائر العلوم. ولأنّ سبب النجاة إنّما هو معرفة هذا العلم، وهذه الغاية أكمل من كلّ غاية، فلهذا العلم تقدّم على غيره بحسب غايته. ولأنّ معلومه أشرف من كلّ معلومٍ وجب تقدّمه على جميع العلوم"8. |
آخر الأخبار
جاري التحميل ...
أهمّيّة علم الكلام ومرتبته بين العلوم
شاهد أيضاً
التعليقات
جميع الحقوق محفوظة
.
