ومؤسسات الدولة، بل تستهدف الوصول إلى هدف استراتيجي، وهو قولبة المنظومة التربوية بشكل يفضي قصرا إلى إنشاء جيل معتوه لغويا ومشوه دينيا وممسوخ هوية.
ويمكن الوقوف عند جدية هذه القراءة من خلال العودة إلى "وثائق الخميس الأسود"، وإسقاطها على قاعدة الرابح والخاسر في إصلاحات بن غبريط. فقد بينت "وثيقة الخميس" أن الإصلاح الذي لطالما هللت له الوزيرة، لا يتعدى حذف ساعة من ساعتي العلوم الإسلامية اليتيمتين، ومنحها للغة الفرنسية.
وليت الأمر توقف عند هذا الحد، بل عمدت أيضا إلى خصم نقطة من معامل العلوم الإسلامية ومنحها للغة الفرنسية، وليس للغة الأم العربية أو للإنجليزية باعتبارها اللغة الحية الأولى في العالم.
ومن خلال هذا المعطى، يتبين أن إصلاحات بن غبريط لا تتعدى فرض هيمنة لغة فرنسا على لغة مليون ونصف مليون من الشهداء، في قرار لا يمكن فهمه إلا في سياق الإمعان في الإساءة لتضحيات الجزائريين، والاعتذار لدعاة "الجزائر فرنسية" على ضياع حلمهم وتعويضهم بتكريم لغتهم!
ولو كانت اللغة الفرنسية لغة حيّة مثلا، تنافس الإنجليزية والألمانية والإسبانية وحتى اليابانية والصينية وحتى الكورية، لهان الأمر، لكن عندما تفرض لغة أصبحت عاجزة عن فرض ذاتها حتى في عقر دارها، أمام الإنجليزية مثلا، فهذا يعني أن إصلاحات بن غبريط لا علاقة لها بتطور الأداء التربوي ولا بالنهوض بالمدرسة الجزائرية، بل بجعل الجزائر حديقة خلفية للغة الفرنسية، التي بدأت تتهاوى أمام اللغات العالمية الحية، التقليدية منها والصاعدة.
ويبدو أن بن غبريط على قناعة تامة بأن ما تقوم به لا علاقة له بالرفع من أداء المدرسة، والدليل على ذلك هو التستر على هذه الإصلاحات ومحاولة إخفاء حقيقتها على الجزائريين خوفا من غضبهم، لأنها تدرك أن الجزائري لا يتسامح إطلاقا ومع أي كان، عندما يتعلق الأمر بهويته، ولعل في التضحيات التي قدمها الجزائريون خلال سبع سنوات فقط، أبلغ رسالة لمن يهمه الأمر.
ما يؤكد أن بن غبريط تراوغ وتتلاعب بمشاعر الجزائريين، هو خطابها وخطاب فريقها الذي يروج لإصلاحاتها، ففي ملتقى نظمته وزارة التربية بثانوية المقراني ببن عكنون بالعاصمة في 11 أفريل الجاري، حشره أحد مستشاريها وهو فريد بن رمضان، وأقسم هذا الأخير أمام المشاركين في الملتقى (الفيديو بحوزة الشروق)، بأن مواد الهوية (العربية والأمازيغية والتاريخ والعلوم الإسلامية) لا تمسها الإصلاحات بسوء، إن تعلق الأمر بتخفيض الحجم الساعي أو بتخفيض المعامل، غير أن "وثائق الخميس الأسود" جاءت عكس ما أقسم عليه "السيد المستشار".
فهل غُرّر بمستشار الوزيرة؟ ومن غرّر به؟ أم أنه كان على دراية تامة بما يحاك داخل الغرف المظلمة وتعمّد الكذب على المشاركين في ملتقى المقراني؟ وفي كلتا الحالتين، إنها طامّة كبرى، لأنه من غير المعقول أن يجهل مسؤول في مستوى مستشار وزير تفاصيل برنامجا إصلاحيا، وإن كان يجهله حقيقة فذلك أنكى وأشد، وفي كل الحالات على السيد المستشار أن يصوم كفّارة اليمين الغموس "تعزيرا له"!