الأربعاء، 5 أكتوبر 2016

هل حب الوطن من الإيمان


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وبعد
كثر الكلام حول الوطن وحبه وجواز ذلك من عدمه ، فمن الناس من بالغ بالحب إلى حد الوثنية والتعصب ، ومن الناس من تساهل به ويرى ذلك تخلفا ورجعية ، بل قد وصل الأمر بالبعض منهم من أجاز الإرهاب مقابل وطنية الآخر ، فأصبحنا بين مفرط بالحب ومفرط بعكسه وكلاهما قد أخطأ ، وعلينا أن نكون منصفين ، وخير حكم بيننا وبينهم شرع الله فالله نستعين وعليه نتوكل وإليه المعاد 0
اعلم يا رعاك الله أن الإنسان بلا وطن هو كيان بلا روح ، والإنسان بلا وطن جسد بلا إحساس ، فالفاقد للوطن فاقد للأمن والاستقرار، والفاقد للأمن والاستقرار فاقد للاطمئنان ، والوطن بلا أمن واستقرار غابــة يعيش فيــها القـوي ويهان فيها الضعيف ، ونحمد الله على الأمن الذي نعيشه في بلادنا أدام الله أمنها واستقرارها ، فأين المرجفون الإرهابيون من نعمة الأمن التي هم الآن يفتقدونها0
يتناقل الناس ما يعتقده البعض أنه حديث ألا وهو ( حب الوطن من الإيمان ) بل إن بعضهم سود به مقالا في جريدة أو مجلة ، أو في أحد منتديات الإنترنت 0000000وهو ليس بحديث صحيح بل موضوع مكذوب على النبي صلى الله عليه وسلم ، قال محدث العصر الألباني رحمة الله تعالى عليه ( موضوع كما قال ، ومعناه غير مستقيم إذ أن حب الوطن كحب النفس والمال ونحوه ، كل ذلك غريزي في الإنسان لا يمدح بحبه ولا هو من لوازم الإيمان ، ألا ترى أن الناس كلهم مشتركون في هذا الحب لا فرق في ذلك بين مؤمنهم وكافرهم ) انتهى كلامه رحمه الله ، وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : ومثله ( حب الوطن من الإيمان) وهو مشهور عند العامة على أنه حديث صحيح، وهو حديث موضوع مكذوب ، بل المعنى أيضاً غير صحيح بل حب الوطن من التعصب 0
ذكر بعضهم ثلاثة أقوال في ( أن حب الوطن من الإيمان ) أختصرها فيما يلي : القول الأول : أن معناه صحيح ، قال أحدهم : سمعت أعرابياً يقول : ( إذا أردت أن تعرف الرجل فانظر كيف تحننه إلى أوطانه ، وتشوقه إلى إخوانه ، وبكاؤه على ما مضى من زمانه ) ، وقيل ثلاث خصال في ثلاث أصناف من الحيوان : الإبل تحن إلى أوطانها ، وإن كان عهدها بها بعيداً، والطير إلى وكره وإن كان موضعه مجدباً ، والإنسان إلى وطنه وإن كان غيره أكثر نفعاً ، ولما أشتاق النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة محل مولده ومنشئه أنزل الله تعالى عليه قوله ( إن الذي فرض عليك القرآن لرادّك إلى معاد) إلى مكة ، وفي الأثر قَدِم أُصيل الغفاري ( بالتصغير ) على رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة قبل أن يضرب الحجاب ، فقالت له عائشة كيف تركت مكة ؟ قال : أخضرت جنباتها ، وابيضت بطحاؤها وأغدق أذخرها وانتشر سلمها ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ( حسبك يا أصيل لا تحزني ) وفي رواية ( وبها يا أصيل تدع القلوب تقر( 0
القول الثاني : ما ادعاه أصحاب القول الأول من صحة معنى الحديث عجيب : إذ لا ملائمة بين حب الوطن وبين الإيمان ، ويرده قوله تعالى ( ولو أنا كتبنا عليهم ) ، فإنه يدل على حبهم لوطنهم مع تلبسهم بالإيمان إذ ضمير ( عليهم ( للمنافقين ، وقال الألباني رحمه الله ( ومعناه غير مستقيم إذ أن حب الوطن كحب النفس والمال ونحوه الخ 0
القول الثالث : حاول آخرون التوفيق فقالوا ( ولا يخفى أن معنى الحديث : حب الوطن علامة من علامات الإيمان ، وهي لا تكون إلا إذا كان الحب مختصاً بالمؤمن ، وقالوا معنى الحديث - إن صح معناه - أن يحمل على أن المراد بالوطن : الجنة فإنها السكن الأول لأبينا آدم ، أو المراد به مكة فإنها أم القرى وقبلة العالم ، أو المراد به الوطن المتعارف عليه، ولكن بشرط أن يكون سبب حبه صلة أرحامه أو إحسانه إلى أهل بلده من فقرائه 0
والخلاصة : 1- إن ألفة الموطن الأول والحنين إليه مركوزة في الفطر وإليه يشير قول الشاعر:
وكم من منزل في الأرض يألفه ،،،،،، الفتى وحنينه أبداً لأول منزل
2- أن هذا الأمر لا يُعدّ مقياساً لأنه أمرٌ مشترك بين الناس جميعاً مؤمنهم وكافرهم وحتى الحيوان 0
3- أن إخراجه عن فطريّته يعد كفراناً لا إيماناً بحيث يوالي عليه ويعادي عليه ، كما يصنع دعاة وطنية الطين لا الحنين ، ولقد أحسن القائل :
ولقد برئت إليك من كل وطنية ،،،،،،،، عرجاء تؤثر موطن الميلاد
4- وقد يصل الغلو بالتراب إلى حد الوثنية التي تجعل من الوطن وثناً يعبد الله من دون 0
5- وقد يصور الشيطان لبعضهم أن الوطن خير من جنة عدن كما قال قائلهم :
هب جنة الخلد اليمن ،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،، لا شيء يعدل الوطن
وطني لو شغلت عنه بالخلد ،،،،،،،،، نازعتني إليه في الخلد نفسي
ثم جاءت في عصورنا هذه الوطنية المقيتة وليتها وطنية تنظر إلى المسلمين نظرةً شاملة بل وطنية حزبية تريد أن تقسم الأمة إلى أمم ، فأصبحت تسمع بالأمتين العربية والإسلامية ، ثم انقسمت كل أمة على نفسها فإذا بالأمة العربية أصبحت أمماً على عدد دولهم ، وليت الأمر وقف عند هذا الحد ولكنه شد وامتد حتى أطلت الإقليمية في البلد الواحد ، فهذه وطنية مقيتة مغلفة مبنية على الحزبية أو القبلية أو الفكرية أو ما شذ من الآراء والأفكار المدمرة ، فنريد وطنية مبنية على طاعة الله وحبه كوطنية السلف لربهم ودينهم وبلدهم الإسلامي ، ونريد لوطنيتنا لبلدنا المسلم أن تبقى مادامت السماوات والأرض
---------------------------------------------------------------------------------------------------------

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق